محمد راغب الطباخ الحلبي
361
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
له مدة طويلة ، ولا ندري إلى ماذا يؤديهم البحث . ولا ينافي ذلك لزهده رحمه اللّه في هذه الدنيا وإعراضه عنها إذا كان القصد من المال صرفه في سبيل الخير وفي المصالح العامة . نعم ينافي ذلك لو كان القصد به الوصول لحظ نفساني والتبسط في المآكل والمشارب والمناكح ، وقد علم من حال الشيخ رحمه اللّه مدة تزيد عن ستين سنة أنه كان بعيدا عن كل ذلك ، وهذه المدة الطويلة كافية للاختبار والوقوف على حقيقة أحوال الشيخ من التقوى والورع والزهد ومجاهدة النفس والعزلة عن الناس مما أصبح معروفا مشهورا مستفيضا بين جميع الناس . وخلاصة القول فيه أنه كان عالم هذه الديار وبركة هذا الأقطار ولا بدع إذا قلنا إنه كان لهذه الأمة في هذا القرن ممن جدد لها أمر دينها ، فقد رأينا الكثير من تلامذته وممن سمعوا دروسه العامة من العوام على جانب عظيم من الصلاح والتقوى وحسن المعاملة أثرت في أعماق قلوبهم أنفاسه الطاهرة ومواعظه الحسنة ، فجلت عنها الصدأ أو أزالت عنها ما غشيها من ظلمة الجهالة ، فاستنارت بنور المعرفة واهتدت إلى الصراط المستقيم . ولم يزل بين ظهرانينا بقية من هؤلاء الصلحاء إلى اليوم ، والكل مجمعون على أنه لم يأت بعده مثله في علمه وأحواله رحمه اللّه تعالى وقدس سره . 1254 - علي بن سعيد الجابري المتوفى سنة 1294 علي أفندي ابن سعيد أفندي ابن محمد أسعد بن عبد القادر بن مصطفى بن أحمد بن أبي بكر بن أسعد ، المشهور بالجابري ، أحد وجوه الشهباء وسراتها وأعيانها . ولد سنة 1241 ، ولاحت عليه أمارات النجابة منذ حداثته ، وحبب إليه الفضل وأهله والتحلي بمكارم الأخلاق ، فكان متواضعا دمث الأخلاق واسع الصدر سمح الكف . أنشأ بستانا كبيرا في السمت المعروف بسمت باب اللّه ( بابلّا ) سمي بستان باب اللّه ، وصرف عليه مبالغ طائلة وعمر فيه أبنية وقصورا واتخذه مسكنا له ونزلا وصارت الناس تهرع إليه ، فكان لا يرى خاليا من الضيوف ، منهم من يتناول الطعام ويعود ، ومنهم من يبيت عنده . وبعد أن تولى عدة مناصب في حلب طلب إلى الآستانة ليكون عضوا في مجلس ( شورى